“قبل ما تقول خسارة فيها اللقمة يا يوسف… ابقى سُد تمن اللقمة اللي بتاكلها من فلوسها الأول”. الصالة اتجمدت. حتى صوت المزيكا الخافتة وقف فجأة بعد ما حد خبط في الريموت من التوتر. يوسف كان واقف في نص السفرة، وشه أحمر وعـ,ـروقه نافرة، لكنه مش لاقي كلمة يقولها. لأول مرة، يبقى عـ,ـريان قدام الناس… من غير بدلته الغالية ولا كلامه الكبير. مريم رفعت عينيها ناحيتي بصدمة. كانت طول عمرها فاكراني هسكت زيها، أو أعدّي الإهـ,ـانة عشان “البيت ما يخـ,ـربش”. بس البيوت اللي بتتبني على الذل بتبقى خـ,ـرابة من أول يوم.
مدام سعاد حاولت تلم الدنيا وقالت بصوت مهزوز: “يا جماعة سوء تفاهم بسيط…” قاطعتها وأنا ببصلها: “سوء التفاهم إنكم فاكرين بنتي قليلة. إنما الحقيقة؟ إن البيت ده كله واقف على كتافها.” يوسف ضـ,ـرب بإيده على السفرة: “كفاية بقى!” بصيتله بثبات: “آه، كفاية فعلًا. كفاية استنزاف لبنت بتشتغل ليل نهار عشان راجل كل إنجازه إنه بيعرف يهينها قدام الناس.” الأنفاس كانت مكتومة. حتى إخواته اللي كانوا بيضحكوا من شوية، بقوا باصين في أطباقهم.
مريم قامت ببطء. الكرسي اللي كانت قاعدة عليه في آخر السفرة عمل صوت حاد وهو بيتحرك، كأنه بيعلن نهاية حاجة طويلة. مسكت شنطتها، لكن يوسف جري وراها: “إنتي رايحة فين؟” وقفت، ولفتت تبصله. لأول مرة أشوف في عينيها حاجة غير الكسـ,ـر… شفت كرامة صحيت بعد غيبـ,ـوبة. قالت بهدوء: “رايحة للمكان اللي أفتكر فيه إني بني آدمة.” ضحك بسـ,ـخرية متوترة: “عشان موقف؟” ردت: “لا… عشان سنين.” الكلمة نزلت على وشه زي القلم. خرجنا سوا. وأنا ماشية جنبها، حسيت بإيدها بتترعش جوه إيدي، نفس الرعشة اللي كانت في إيدها وهي ماسكة السـ,ـكينة من شوية. بس الفرق إن رعشة الخوف اتحولت لرعشة نجاة.
ركبنا العربية، ومريم ساكتة. الشوارع كانت زحمة، وأنوار الشيخ زايد بتلمع حوالينا، لكن جوا العربية كان في هدوء غريب… هدوء واحد أخير خد قرار خلاص. بعد عشر دقايق قالت بصوت مبحوح: “أنا تعبت يا ماما.” مسحت على شعرها: “عارفة.” “أنا كنت فاكرة إن الصبر بيغير الناس.” ابتسمت بحزن: “الصبر بيكشفهم يا بنتي… مش بيغيرهم.” سكتت شوية، وبعدين انفـ,ـجرت في العياط. مش عياط ضعف… كان عياط سنين متكومة فوق صدرها. عياط كل مرة اتقالها فيها إنها أقل. كل مرة دفعت وسكتت. كل مرة اتكسـ,ـرت فيها وهي بتحاول تقنع نفسها إن الحب محتاج تضحية.
ولما هديت، سألتني: “هو أنا فعلًا كنت مستاهلة كل ده؟” وقفت العربية على جنب، وبصيتلها بكل القوة اللي جوايا: “إسمعي كويس يا مريم… اللي يقعدك في آخر السفرة، وهو عارف إنك صاحبة البيت الحقيقيّة، عمره ما كان يستحقك. الناس بتحط كل واحد في مكانه… وهم كانوا عارفين مكانك كويس. المشكلة إنك إنتِ اللي نسيتيه.” بصت قدامها طويل. وبعدها… لأول مرة من سنين، ابتسمت. ابتسامة صغيرة، لكنها كانت شبه باب بيتفتح. وفي الليلة دي، مريم ما رجعتش ليوسف.
أما الكرسي اللي كان في آخر السفرة… ففضل فاضي. فاضي زيهم تمامًا.
